أصبح مصطلح "الهرمونات" في الاستخدام اليومي مرتبطاً بالمرأة أكثر من ارتباطه بمعناه العلمي، حتى تحول في كثير من الأحيان إلى تفسير جاهز لأي تصرف تقوم به، بينما نادراً ما نسمع هذا المصطلح يُنسب إلى الرجل. فهل يعني ذلك أن الرجل لا يملك هرمونات تؤثر في سلوكه ومشاعره؟
الإجابة ببساطة: لا.
فالهرمونات (Hormones) هي رسائل كيميائية تفرزها الغدد الصماء (Endocrine Glands)، وتنتقل عبر مجرى الدم لتصل إلى الأعضاء المختلفة، حيث تنظم عدداً هائلاً من الوظائف الحيوية، مثل النمو (Growth)، والتمثيل الغذائي (Metabolism)، والنوم، والمناعة، والمزاج، والخصوبة، والرغبة الجنسية (Libido).
بمعنى آخر، لا يوجد إنسان يعيش دون هرمونات؛ فالرجل والمرأة كلاهما يعتمد عليهما للحفاظ على توازن الجسم.
لكن إذا كان كلاهما يملك هرمونات، فلماذا ارتبط هذا المصطلح بالمرأة أكثر من الرجل؟
السبب لا يكمن في وجود الهرمونات، وإنما في طبيعة تغيرها.
فعند الرجل، يبقى الهرمون الجنسي الرئيسي Testosterone مستقراً نسبياً مع وجود تذبذب طبيعي خلال اليوم أو مع التقدم في العمر.
أما المرأة، فتمر بتغيرات هرمونية دورية تبدأ مع الدورة الشهرية (Menstrual Cycle)، وتتكرر شهرياً، ثم تستمر بصور مختلفة خلال الحمل (Pregnancy) والرضاعة (Lactation) وحتى انقطاع الطمث (Menopause). وخلال هذه المراحل ترتفع وتنخفض هرمونات متعددة بصورة دقيقة ومنظمة، أهمها Estrogen (الإستروجين) وProgesterone (البروجستيرون) وFollicle-Stimulating Hormone (FSH) وLuteinizing Hormone (LH).
ولا يقتصر دور هذه الهرمونات على تنظيم الإباضة (Ovulation) والدورة الشهرية، بل يمتد تأثيرها إلى الدماغ وأجهزة الجسم المختلفة.
وهنا يأتي السؤال الذي يتكرر كثيراً: هل تؤثر الهرمونات فعلاً في مزاج المرأة؟
الإجابة هي نعم، وهذا ليس رأياً أو اعتقاداً شعبياً، بل حقيقة مدعومة بعلم وظائف الأعضاء والغدد الصماء.
فالهرمونات تتفاعل مع النواقل العصبية (Neurotransmitters) مثل Serotonin وDopamine وGABA، وهي مواد مسؤولة عن تنظيم المشاعر، والإحساس بالسعادة، والدافعية، والهدوء، والاستجابة للضغوط. لذلك، فإن تغير مستويات الهرمونات خلال مراحل معينة من الدورة قد ينعكس على الحالة النفسية عند بعض النساء.
وقد تلاحظ المرأة خلال هذه الفترات زيادة في الحساسية العاطفية، أو سرعة في الانفعال، أو تغيراً في المزاج، أو انخفاضاً في مستوى الطاقة، أو صعوبة في التركيز، أو اضطراباً في النوم. وتجدر الإشارة إلى أن هذه التأثيرات تختلف من امرأة إلى أخرى؛ فليست جميع النساء يعشنها بنفس الدرجة، لأن حساسية الجسم للتغيرات الهرمونية تختلف باختلاف العوامل الوراثية والبيولوجية ونمط الحياة.
ولا يتوقف تأثير الهرمونات عند المزاج فقط، بل يشمل العديد من وظائف الجسم، فقد تؤثر في نضارة البشرة وإفراز الدهون وظهور حب الشباب، كما قد تنعكس على صحة الشعر ولمعانه أو زيادة تساقطه في بعض المراحل، وقد تؤثر أيضاً في الشهية للطعام، واحتباس السوائل، ومستوى النشاط البدني، والرغبة الجنسية، وهي تغيرات طبيعية يمر بها الجسم استجابةً لتبدل البيئة الهرمونية الداخلية.
وفي المقابل، فإن الرجل أيضاً يتأثر بهرموناته، فهرمون Testosterone يلعب دوراً مهماً في الكتلة العضلية، وكثافة العظام، والطاقة، والمزاج، والرغبة الجنسية، وحتى الدافع والإنتاجية. إلا أن استقرار مستوياته نسبياً يجعل تأثير تغيراته اليومية أقل وضوحاً مقارنةً بالتغيرات الدورية التي تمر بها المرأة.
في النهاية، عندما نقول إن الهرمونات تؤثر في المرأة، فنحن لا نردد عبارة شائعة، بل نصف حقيقة بيولوجية أثبتتها الأبحاث العلمية. فالهرمونات لا تحدد شخصية المرأة ولا تبرر كل تصرفاتها، لكنها تؤثر في طريقة عمل الدماغ والجسم، ولذلك قد تنعكس تغيراتها على المزاج، والطاقة، والبشرة، والشعر، والشهية، والرغبة الجنسية، بدرجات تختلف من امرأة إلى أخرى.



المقال رهيب، احسنتي غواله
🩷حبيت الموضوع