جلست مع نفسي ذات يوم، لا أفعل شيئًا سوى مراجعة السنوات الماضية. بدأت أستعرض الأشياء التي كنت أقول بثقة إنها تمثلني: الكتب التي أحبها، طريقة لباسي، الموسيقى التي أستمع إليها، وحتى الأحلام التي كنت أسعى إليها.
لكن سؤالًا صغيرًا أفسد عليّ هذه المراجعة الهادئة:
هل أحببت كل هذا لأنني أحببته حقًا... أم لأنني رأيته كثيرًا حتى ظننته جزءًا مني؟
كانت إجابة هذا السؤال مزعجة أكثر مما توقعت.
اكتشفت أن كثيرًا مما كنت أعتبره "ذوقي الخاص" لم يكن خاصًا إلى هذا الحد. بعضه جاء من صانعي المحتوى الذين أتابعهم يوميًا، وبعضه من أصدقاء أعجبت بثقتهم، وبعضه من المجتمع الذي أقنعني بطريقة غير مباشرة أن هذه الأشياء هي ما يجب أن أحبها.
لسنوات، كنت أعتقد أن تكوين الشخصية يحدث بقرار واعٍ. لكن الحقيقة أن جزءًا كبيرًا منه يتشكل بصمت.
نحن لا نتأثر فقط بالإعلانات التي تحاول بيعنا المنتجات، بل أيضًا بالأشخاص الذين نتابعهم، وبطريقة حديثهم، وبصور حياتهم، وبالأشياء التي يكررون أنها جميلة أو ناجحة أو تستحق السعي.
في علم النفس، يسمى هذا التأثير الاجتماعي؛ وهو ميل الإنسان إلى تعديل أفكاره وسلوكياته وأذواقه تحت تأثير من حوله، حتى دون أن يدرك ذلك. ولسنا بحاجة إلى أن يخبرنا أحد صراحة: "أحب هذا." يكفي أن نراه يتكرر أمامنا مئات المرات حتى يبدأ عقلنا باعتباره مألوفًا، ثم جيدًا، ثم مرغوبًا.
والأمر لا يقتصر على الأشياء المادية.
ربما اخترت تخصصًا لأن الجميع قال إنه الأفضل.
وربما حلمت بوظيفة لأن المجتمع منحها مكانة عالية.
وربما أقنعت نفسك أن السفر، أو الشهرة، أو أسلوب حياة معين هو غايتك، بينما لو عشت بعيدًا عن كل هذه الأصوات، لما فكرت فيه أصلًا.
وهنا تكمن المشكلة.
لسنا مخطئين لأننا نتأثر؛ فالإنسان كائن اجتماعي بطبيعته، ويتعلم من خلال الملاحظة والتقليد منذ طفولته. لكن الخطأ أن نتوقف عن التساؤل.
أن نعيش عمرًا كاملًا ندافع عن أذواق لم نخترها، ونطارد أحلامًا لم تولد في داخلنا، ثم نتساءل في النهاية: لماذا لا أشعر بالرضا رغم أنني حصلت على ما كنت أريده؟
ربما لأن ما كنت تريده... لم يكن رغبتك من البداية.
لا أدعو إلى أن نرفض كل تأثير خارجي؛ فهذا مستحيل. فكل إنسان هو خليط من تجاربه، ومن الأشخاص الذين التقاهم، ومن الكتب التي قرأها، ومن البيئات التي عاش فيها.
لكن بين التأثر والذوبان فرق كبير.
التأثر يضيف إليك.
أما الذوبان فيجعلك نسخة من الآخرين.
لذلك، ربما يستحق كل واحد منا أن يجلس مع نفسه بين الحين والآخر، ويسأل أسئلة بسيطة لكنها صادقة:
لو اختفى الإنترنت شهرًا كاملًا، هل سأظل أحب الأشياء نفسها؟
لو لم يرها أحد، هل سأفعلها؟
ولو لم تكن موضة أو مصدر إعجاب، هل كنت سأختارها؟
قد لا نجد الإجابة مباشرة، لكنها بداية جيدة لاستعادة شيء نفتقده كثيرًا في هذا العصر: الاختيار الواعي.
ربما لن نكتشف أن كل ما نحبه كان وهمًا.
لكننا سنكتشف على الأقل أن بعض ما نظنه "أنا"... لم يكن سوى صدىً طويلًا لأصوات الآخرين.
وربما تبدأ معرفة النفس الحقيقية عندما نمتلك الشجاعة لنفرق بين ما خرج من أعماقنا... وما استعرناه من العالم.


